الجاحظ
43
العثمانية
الرأي فرأوا أن يبيتوه على فراشه إن لم يظهر لهم . فقال لعلى : " نم على فراشي وتغش ببردى الحضرمي ، فإنهم إن رأوا حجمك فوق الفراش ودون البرد لم يستريبوا ، وخفى لهم ( 1 ) أمرى ، ولم يتبعوا أثرى " . فنام على على فراشه ينتظر وقع السيوف ، ويتوقع رضخ الحجارة ، باذلا نفسه مصطبرا . وليس فوق بذل النفس درجة يلتمسها صابر ، ولا يبلغها طالب . وإن كان أبو بكر قد أحسن في خروجه وهجرته وصحبته ، وهربه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، واستخفائه في الغار . فإن ذلك لن يبلغ من الاحتمال والخطار والخوف ، قدر ما كان فيه علي رضي الله عنه ، لان طمع النجاة في أحدهما أقوى ، والنفس له أرجى . قيل لهم : لو كان الامر كما تقولون في هذين الخوفين لم يقم صرف ما بينهما ( 2 ) بقدر عشر ما لقى أبو بكر من جميع ما وصفنا وما صنع أبو بكر في ثلاثة عشر سنة ، من كثرة الانفاق ، وإيثار الفقر على الغنى ، والوحدة على الأنسة ، والهوان بعد الكرامة . والخوف بعد الامن ، والضرب والافتتان بعد الاكرام والتعظيم ، مع عتق المعذبين وكثرة المستجيبين ، ومع صرف وزن ما بين الطاعتين ، لان طاعة الشاب الغرير أو الحدث الصغير ، الذي في عز صاحبه عزه ، ليس كطاعة الحكيم المحتنك الأريب ، الذي لا يرجع تسويده لمن سوده [ و ] إلى رهطه * ) .
--> ( 1 ) في الأصل : " لي " . ( 2 ) صرف ما بينهما ، أي فضل ما بينهما . يقال : بين الدرهمين صرف ، أي فضل ، لجودة فضة أحدهما . * ) الكلام من " فإن قالوا قد صنع " ص 42 س 17 إلى هنا موضع رد للإسكافي سيأتي برقم ( 16 ) .